ترامب واللعب بالنار

14 أغسطس، 2017

الياس حرفوش

عندما يكون مصير الأمن العالمي مرتبطا بتهديدات دونالد ترامب من جهة وصواريخ كيم جونغ أون من الجهة الأخرى، فعلى العالم وعلى شعوبه أن تقلق؛ لهذا تذكر العالم في الأيام الماضية كم أن مصيره مهدد وكم أن أي خطأ في الحسابات أو قرار طائش يمكن أن يودي بقسم من البشرية إلى الفناء. إنه الخطر الذي يمكن أن يشكله التهور في القيادة، خصوصا إذا كان بين يدي هذه القيادة زر نووي، مثل الزر الذي بين يدي ترامب، أو إذا كانت تقف فوق ترسانة ولو صغيرة من الرؤوس النووية، مثلما هي حال كوريا الشمالية.

وكلنا نذكر مدى القلق الذي عبّرت عنه تعليقات كثيرة بعد انتخاب ترامب، حول عدم قدرته على ضبط أعصابه وانفعالاته عندما يكون قرار إطلاق القنبلة النووية بين يديه. وازدادت هذه المخاوف عندما سمعنا التهديد الذي أطلقه الرئيس الأمريكي حول «النار والغضب» اللذين سيواجه بهما كوريا الشمالية، إذا وجهت تهديدات جديدة بالهجوم على الولايات المتحدة. ثم عاد ترامب ليعلن أن هذا التهديد لم يكن قاسيا بما يكفي، فأضاف إليه أن على بيونغ يانغ «أن تكون قلقة جدا جدا» إذا فكرت بأي عمل يضر بالولايات المتحدة وحلفائها.

وربما لم تكن مجرد صدفة أن يطلق ترامب تهديده بـ «النار والغضب اللذين لم يرَ العالم مثيلا لهما من قبل»، في اليوم نفسه (9 آب – أغسطس) الذي أطلقت فيه الولايات المتحدة قنبلتها النووية الثانية على مدينة ناغازاكي اليابانية، بعد ثلاثة أيام من إطلاق القنبلة الأولى على هيروشيما، والتي هدد هاري ترومان اليابان بعد إطلاقها بأنها ستواجه «دمارا يأتيها من الجو لم تشهد البشرية مثله من قبل». هل العبارات المتشابهة هي مجرد صدفة أم أن ترامب بدأ يقرأ في كتب التاريخ، وأراد أن يذكّر الكوريين بمصير المدينتين اليابانيتين وأن يرفع درجة التهديد والخوف، لعل كيم يخاف ويتراجع؟

لكن الواقع أننا عالقون بين رجلين، كل منهما أكثر تهورا من الآخر. ترامب الذي يريد أن يثبت أنه الرئيس الأمريكي الوحيد القادر على أن يلقن بيونغ يانغ درسا في عدم تهديد أمريكا، بعدما فشل أسلافه في ذلك كما يقول. وكيم الذي يقصف معارضيه داخل قاعات المؤتمرات بالمدافع ويعتبر أن صواريخه هي الوحيدة القادرة على حماية النظام الذي ورثه، وهو الذي رأى ما حصل لصدام حسين ومعمر القذافي في غياب التهديد النووي من يديهما.

ترامب وكيم جونغ أون، يحتاج أحدهما الآخر. الأول يستفيد من التهديدات التي يطلقها ضد كوريا الشمالية، لعله يهدئ شيئا من المعارضة الداخلية التي تشكك في طريقة وصوله إلى البيت الأبيض، ويغطي على فشل إدارته حتى الآن في اتخاذ أي قرار أو تنفيذ أي وعد من الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية.

أما الكوري، فيستفيد من التصعيد ضد الولايات المتحدة وتهديد قواعدها في جزيرة غوام، ما يضعه في مصاف «الدول العظمى»، ويثير القلق في قلوب جيرانه، وخصوصا جارته وشقيقته الجنوبية، فضلا عن اليابان، التي ستعبر صواريخه الموعودة باتجاه جزيرة غوام في أجوائها.

ومشكلة الرجلين أن درجة التهديد والتصعيد بلغت حدا صار من الصعب التراجع عنه بالنسبة إلى أي منهما، من دون خسارة صدقيته وتحوله إلى مادة للسخرية بين معارضيه وخصومه في الداخل والخارج.

لهذا يحبس العالم أنفاسه بانتظار ما يمكن أن يقدم عليه الرئيس الأمريكي، إذا أطلقت بيونغ يانغ تهديدا جديدا ضد بلاده، أو ما ستفعله بيونغ يانغ عندما يحل منتصف هذا الشهر، وهو الموعد الذي حددته لإطلاق أربعة صواريخ يصل مداها إلى بعد 30 إلى 40 كلم عن جزيرة غوام، وذلك بعدما اعتبرت أن ترامب «فاقد للوعي ولا تنفع معه سوى القوة المطلقة».

الحياة اللندنية